الرأي والتحليل

الكلام الدغري.. هشام احمد المصطفى ابو هيام يكتب: العلاقات السودانية الصينية: نموذج مشرف للتعاون المتبادل والتنمية المستدامة

مقدمة: علاقة راسخة في عالم متغير
في عصر تشهد فيه العلاقات الدولية اضطرابات وتبدلات متسارعة، تبرز العلاقات بين جمهورية السودان وجمهورية الصين الشعبية كأنموذج مشرف لعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. لم تكن هذه العلاقة وليدة اللحظة، بل ترجع جذورها إلى أكثر من ستة عقود، حين اعترفت الصين بالسودان فور استقلاله عام 1956، لتكون من أوائل الدول التي أيّدت سيادته وانفتحت على التعاون معه دون شروط مسبقة.
ما يميز العلاقة بين الخرطوم وبكين أنها لم تتأثر كثيرًا بتقلبات السياسة الدولية، بل حافظت على توازنها واستمراريتها، فكانت الصين حليفًا استراتيجيًا وشريكًا حقيقيًا في التنمية، خاصة في الأوقات التي اشتدت فيها الأزمات على السودان. وهي علاقة تستحق أن تُدرَس كنموذج يُحتذى به في التعاون بين دول الجنوب.
الصين: دعم ثابت في وقت الحصار والتهميش
في العقود الماضية، وخاصة في تسعينيات القرن العشرين، مرّ السودان بفترات عصيبة من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد انعكست هذه العقوبات بشكل سلبي على قطاعات البنية التحتية والطاقة والصحة والتعليم.
في هذه الظروف، لم تتخلَّ الصين عن السودان، بل كانت الدولة الوحيدة تقريبًا التي استمرت في التعاون معه على كافة المستويات. وقّعت اتفاقيات شراكة طويلة الأجل، وقدّمت قروضًا ميسرة، وبادرت باستثمارات استراتيجية ساعدت السودان في تجاوز الكثير من أزماته الاقتصادية.
هذه الوقفة الصينية المشرفة لم تكن مجرد عمل سياسي، بل عكست التزامًا حقيقيًا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها، وتقديم الدعم الإنمائي وفقًا لأولوياتها الوطنية، وهو ما جعل العلاقة محل تقدير واحترام داخل الأوساط السودانية الشعبية والرسمية على حد سواء.
البنية التحتية: بصمة صينية واضحة في التنمية
في مجال البنية التحتية، ساهمت الصين في تنفيذ مشروعات حيوية ونهضوية في السودان، كانت بمثابة علامات فارقة في مسيرة التنمية. فعلى سبيل المثال، تُعدّ مساهمة الصين في تشييد سد مروي من أبرز الإنجازات، حيث وفّر هذا المشروع الكهرباء للملايين، وساعد على استقرار الإمداد الكهربائي، كما دعم مشاريع الري والزراعة.
كما أنشأت الصين العديد من الطرق السريعة التي ربطت المدن السودانية ببعضها البعض، مثل طريق الخرطوم–بورتسودان، الذي ساعد في تنشيط التجارة الداخلية وتحسين الربط اللوجستي مع الميناء الرئيسي على البحر الأحمر.
وتشمل المشاريع الأخرى مستشفيات حديثة، وجسور استراتيجية، وخطوط أنابيب النفط، ومحطات كهرباء، وكلها نفّذتها شركات صينية بخبرة عالية وجودة مشهودة، وأسهمت في تدريب الكوادر السودانية، ونقل المعرفة التقنية، وبناء شراكة مهنية طويلة الأمد.
النفط: مفتاح التحول الاقتصادي في السودان
يُعتبر قطاع النفط من أبرز المجالات التي عكست التعاون السوداني الصيني الناجح. ففي الوقت الذي امتنعت فيه الشركات الغربية عن الاستثمار في السودان بسبب الضغوط السياسية، دخلت الشركات الصينية بقوة، وعلى رأسها شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، والتي كانت المحرك الرئيسي في استخراج النفط السوداني.
لقد أسهمت هذه الاستثمارات في تحوّل السودان إلى دولة منتجة ومصدّرة للنفط في فترة وجيزة، ما انعكس على تحسين الميزان التجاري وزيادة الإيرادات الحكومية. ونتج عن ذلك إنشاء مصفاة الخرطوم لتكرير النفط، التي كانت بدعم وتمويل وخبرة صينية، ولا تزال تساهم حتى اليوم في تغطية احتياجات البلاد من الوقود.
لم يكن هذا التعاون مجرد استثمار ربحي، بل شمل تدريب المهندسين والفنيين السودانيين، ونقل المعرفة، وبناء شراكات إنتاج طويلة المدى، مما جعل السودان قادرًا على تطوير موارده الطبيعية بقدرات وطنية مدعومة بخبرات أجنبية موثوقة.
التعليم والثقافة: جسور التواصل الحضاري
إدراكًا لأهمية البعد الإنساني والثقافي في العلاقات الدولية، عملت الصين على تعزيز التبادل الثقافي والتعليمي مع السودان بشكل لافت. فقد خصّصت الحكومة الصينية عشرات المنح الدراسية سنويًا للطلاب السودانيين في الجامعات الصينية، شملت تخصصات حيوية كالطب، والهندسة، والزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، والاقتصاد.
كما افتُتح معهد كونفوشيوس بجامعة الخرطوم، ليكون منارةً لتعليم اللغة الصينية والثقافة الآسيوية، ويعمل على تقوية العلاقات الشعبية بين البلدين. وأصبح هذا المعهد وجهة لطلاب، وباحثين، ورجال أعمال، ومهتمين بالتواصل مع الصين على المستوى الثقافي واللغوي.
هذا البعد الثقافي الإيجابي أسهم في بناء جسور من التفاهم العميق، والاحترام المتبادل، وعكس رغبة صادقة في بناء علاقة طويلة المدى بين الشعبين، تقوم على المعرفة والفهم لا فقط على المصالح التجارية.
السياسة والدبلوماسية: انسجام في الرؤية الدولية
في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن، كانت مواقف الصين من قضايا السودان تتسم بالحكمة والتوازن. رفضت الصين استخدام العقوبات كأداة للضغط السياسي، ودعت دائمًا إلى الحوار الداخلي، والحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية.
لقد استخدمت الصين حق النقض “الفيتو” لمنع تمرير قرارات كانت ستؤدي إلى تدويل الأزمات السودانية، وتُدخل البلاد في نفق من الفوضى والتدخلات الأجنبية. وهو موقف نابع من قناعة الصين بأهمية احترام السيادة الوطنية وعدم فرض الحلول من الخارج.
وفي المقابل، حرص السودان على دعم الصين في قضاياها الأساسية مثل قضية تايوان، وسيادة الصين على أراضيها، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، ما يعكس التزامًا متبادلًا بالمبادئ المشتركة، ويُعزز الثقة السياسية على أعلى المستويات.
آفاق مستقبلية واعدة: من التنمية إلى الابتكار
مع تطور الاقتصاد الصيني وتوسّع مبادرة “الحزام والطريق”، يبرز السودان كدولة محورية في إفريقيا يمكن أن تلعب دورًا استراتيجيًا في هذه المبادرة. موقع السودان الجغرافي المتميز، وسواحله الطويلة على البحر الأحمر، وموارده الطبيعية، تؤهله ليكون مركزًا للنقل والخدمات اللوجستية التي تربط الصين بإفريقيا والعالم العربي.
وهناك مجالات جديدة واعدة للتعاون، مثل:
الزراعة الذكية: باستخدام التكنولوجيا الصينية في الري الحديث وتحسين الإنتاج.
الصناعة الخفيفة: بإنشاء مناطق صناعية صينية–سودانية لتصنيع السلع محليًا.
التحول الرقمي: من خلال الشراكة في تكنولوجيا الاتصالات والذكاء الاصطناعي.
الرعاية الصحية: عبر بناء مستشفيات وتوفير أجهزة متطورة وتدريب الكوادر الطبية.
إذا وُظّفت هذه الشراكات بشكل سليم، فستتحول العلاقة بين السودان والصين إلى منصة لبناء نموذج تنموي متكامل ومستدام.
خاتمة: علاقة تزداد قوة واحترامًا
تُجسّد العلاقات السودانية الصينية نموذجًا راقيًا للعلاقات الدولية الحديثة التي تقوم على التوازن، والاحترام المتبادل، والتعاون الشامل. لم تكن هذه العلاقة مجرد تبادل تجاري أو مصالح آنية، بل تطوّرت لتشمل التنمية والبنية التحتية، والنفط، والثقافة، والسياسة، والتعليم.
إنها علاقة مشرفة تعكس إرادة حقيقية لدى الطرفين لبناء مستقبل مشترك ومزدهر. ومطلوب اليوم من صناع القرار في السودان أن يحافظوا على هذه العلاقة الثمينة، ويطوّروها بما يتناسب مع التحديات والفرص القادمة، وأن ينفتحوا على مزيد من التنسيق والتخطيط الاستراتيجي مع هذا الحليف القوي.
فالصين لا تقدم مجرد قروض ومساعدات، بل تمدّ يد الشراكة في بناء المستقبل، وهي فرصة تاريخية يجب اغتنامها بحكمة وشفافية، حتى يكون السودان دولة قوية، مزدهرة، ومستقلة، بسواعد أبنائه وشراكة أصدقائه.
اللهم بلغت فاشهد

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى